مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

171

الواضح في علوم القرآن

المجرد إلى الرسم المصور . ومثال ذلك قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [ الحج : 11 ] إذ تصور لنا ذلك التردد - الذي يحار فيه ويتبلبل ذلك الإنسان الذي لم ترسخ العقيدة في قلبه ؛ ولم تتضح صورة الإيمان في نفسه - بصورة إنسان يقوم ليؤدي عبادة على أرض لا تستقر عليها أقدامه ، وإلى جنبه واد عميق يخشى السقوط فيه ، فهو قلق مضطرب . 2 - التخييل الحسي : وهو تلك الحركة التي يضفيها التصوير القرآني على اللوحة الصامتة فيبث فيها الحياة ، ويحولها إلى منظر حي متحرك ، فهو لا يكاد يعبر بالصورة المحسة والمتخيلة - عن المعنى الذهني أو الحالة النفسية - حتى يرتقي بالصورة التي رسمها فيمنحها الحياة النابضة ، والحركة المتجددة ، فإذا المعنى الذهني حركة يرتفع بها نبض الحياة ، وإذا الحالة النفسية لوحة متحركة أو مشهد حي . ومن أمثلة ذلك : أ - قوله تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ الحج : 5 ] . فانظر كيف استحالت الأرض الجامدة كائنا حيا ، بلمسة واحدة ، في لفظة واحدة ( اهتزت ) وكأنها ذاك الكائن الحي الذي أخمد الظمأ أنفاسه ، حتى إذا مس الماء أحشاءه عادت إليه الحياة وانبعث فيه النشاط . ب - قوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [ التكوير : 18 ] فالحياة تخلع - في هذه الآية - على الصبح وكأنه أصبح كائنا حيا يتنفس ، فتتنفس معه الحياة ، وتشرق بإشراقة من ثغره ، ويدب النشاط في الأحياء على وجه الأرض والسماء .